علامة تملأ العالم بسكر الدونات : قصة ويليام "بيل" روزنبرغ مؤسس دانكن دونتس :
إذا كنت تتجول في شوارع بروكلين في ثلاثينيات القرن الماضي، ربما كنت سترى صبيًا في الرابعة عشرة من عمره يركض حاملًا برقيات "ويسترن يونيون" أو يبيع رقائق الثلج من صندوق سيارة، مُدركًا أن التعليم الرسمي قد توقف عند الصف الثامن، لكن مدرسة الحياة قد بدأت للتو. هذا الصبي، ويليام روزنبرغ، لم يكن يعلم أن شغفه البسيط بجودة القهوة والدونات سيحوله من بائع متجول إلى "أب الامتياز التجاري كما نعرفه اليوم"، مؤسسًا إمبراطورية دانكن دونتس التي ستلامس كل ركن من أركان العالم
( حين تكون الحاجة أم الاختراع )
ولد بيل روزنبرغ في بوسطن عام 1916 لعائلة يهودية مهاجرة. ضرب الكساد العظيم عائلته بقوة، مما اضطره لترك المدرسة في سن مبكرة ليدعم أسرته. هذه الظروف القاسية، بدلًا من أن تكسر إرادته، زرعت فيه بذور المرونة والابتكار. ففي أيام الصيف الحارة، استغل حماس الجماهير في حلبات السباق وحوّل مقعدًا خلفيًا لسيارة إلى ثلاجة متنقلة لبيع رقائق الثلاج، محققًا ربحًا يعادل راتب عام كامل في زمن الكساد. كانت هذه أولى دروسه في ريادة الأعمال: اكتشاف الحاجة وخلق الحل بأدوات بسيطة
مع تقدمه في السن، برع في عالم التوزيع، ليرتقي سريعًا ليصبح مدير مبيعات وطني في شركة آيس كريم بعمر الواحد والعشرين فقط. خلال الحرب العالمية الثانية، عمل في أحواض بناء السفن، حيث انتخبه زملاؤه ممثلًا نقابيًا، مما أعطاه فهمًا عميقًا لاحتياجات العامل البسيط. كانت هذه التجارب مجتمعة تُعد العدة للمشروع الذي سيغير حياته
من عربة الطعام إلى "القدر المفتوح" :
بعد الحرب، استثمر روزنبرغ مدخراته البالغة 1500 دولار من سندات الحرب، واستلف 1000 دولار من أقاربه لبدء مشروعه الأول: "خدمة الغداء الصناعي". كانت الفكرة بسيطة وعبقرية: توصيل القهوة والوجبات الخفيفة للعمال في المصانع. لكن روزنبرغ لم يرضَ بالعربات الداخلية التقليدية؛ فاستغل خبرته في شاحنات الآيس كريم المبردة وصمم شاحنات مخصصة تفتح جوانبها لتكشف عن أرفف من الفولاذ المقاوم للصدأ. لقد اخترع بذلك مفهوم "شاحنة المقصف" المتنقلة التي نعرفها اليوم، والتي وصفها أحد الصحفيين حينها بـ"الوجبات على العجلات"
من بين كل المنتجات، لاحظ روزنبرغ حقيقة مذهلة: 40% من إيراداته تأتي من القهوة والدونات فقط. وكان قراره جريئًا: إذا كان هذا هو ما يريده الناس حقًا، فسأفتتح متجرًا متخصصًا فيهما فقط. وهكذا، في عطلة نهاية أسبوع يوم الذكرى عام 1948، افتتح أول متجره في كوينسي بماساتشوستس تحت اسم "ذا أوبن كيتل" (القدر المفتوح)
مرحلة التأسيس , ولادة "دانكن دونتس" والتحول إلى نموذج عالمي :
لم يكتفِ روزنبرغ ببيع الدونات كباقي المحلات. فبينما كان المتجر العادي يقدم 4 أو 5 أنواع، قرر هو تقديم 52 نوعًا مختلفًا، واحدًا لكل أسبوع في السنة، مستلهمًا فكرة التنوع من نجاحات سابقة في قطاع الآيس كريم. بعد عامين، وفي لحظة إلهام أثناء مناقشة مع فريق عمله حول ما يفعله الناس بالدونات، ولد الاسم الأيقوني: "دانكن دونتس" (أي: اغمس الدونات)
لكن عبقرية روزنبرغ الحقيقية تجلت في عام 1955. كان يملك 5 متاجر ناجحة وطموحًا لا تحدّه هذه السرعة. لتحقيق نمو أوسع، اتخذ قرارًا مصيريًا غير مستقبل الصناعة: بدأ بيع حقوق الامتياز التجاري (الفرنشايز). كان هذا المفهوم حديثًا آنذاك، وتقريبًا في نفس الفترة، كان رواد مثل راي كروك (ماكدونالدز) يكتشفون قوته أيضًا. كانت فلسفة روزنبرغ تعتمد على "الملكية الفردية" التي تشجع المالكين على الاهتمام بأعمالهم كما لو كانت ملكهم الخاص، مما ضمن جودة وتوسعًا متناغمًا
الأزمات والتوسع , بناء إمبراطورية سريعة النمو :
لم تخلُ الرحلة من التحديات. واجه روزنبرغ شكوكًا مستمرة، خاصة عندما قرر بيع القهوة بضعف سعر السوق السائد (10 سنتات بدلًا من 5). لكنه ثبت على موقفه، مؤمنًا بأن الجودة تستحق الثمن، وفاز بقبول العملاء
تحت قيادة ابنه بوب روزنبرغ الذي تولى منصب الرئيس لاحقًا، تسارع نمو العلامة بشكل هائل. استحوذت الشركة على منافسين مثل "مستر دونت"، ووسعت قائمتها لتشمل المافن، والبيغل، وسندويشات الإفطار، وأصبحت رائدة في الابتكار الرقمي عبر تطبيقها الخاص. تحولت دانكن دونتس من متجر للدونات إلى وجهة يومية لملايين الأشخاص الباحثين عن القهوة السريعة واللذيذة، واختصرت شعارها الأمريكي الجريء: "أمريكا تعمل على دانكن"
الخاتمة : إرث يتجاوز الدونات
تقاعد بيل روزنبرغ من إدارة الشركة اليومية، لكن إرثه بقي أكبر من أي منتج. لقد كان رائدًا في تأسيس "جمعية الامتياز التجاري الدولية" عام 1960، مما ساعد في وضع معايير وأخلاقيات لهذا القطاع الحيوي الذي يساهم اليوم بنصف تجارة التجزئة في أمريكا تقريبًا. كما أصبح من كبار مربي خيول السباق ووهب مزرعته لجامعة نيو هامبشاير، حيث أسس أول كرسي أكاديمي في العالم في ريادة الأعمال والامتياز التجاري
توفي روزنبرغ عام 2002، تاركًا وراءه أكثر من 5,000 متجر في 37 دولة آنذاك. اليوم، تضم العلامة التجارية، التي تم اختصار اسمها إلى "دانكن" في عام 2019 للتركيز أكثر على مشروباتها، أكثر من 12,000 فرع في 45 دولة حول العالم

في الختام ، أرحّب بمشاركتك رأيك أو تساؤلاتك يسعدني الاطلاع على رأيك حول هذا الموضوع في التعليقات